بأس شديد
كتبهازينب جلال الدين ، في 21 أغسطس 2007 الساعة: 20:17 م
للمتأمل في الوضع العام للدول الإسلامية و للحركية و الفاعلية الفردية و المؤسساتية يجد أن هناك تمايزا بين ثلاث تيارات رئيسية مهما و جدنا فيها من اختلاف ، و هذا ما يجعلنا نتساءل لمن الربح في الأخير، ألدعاة الأمركة و التساهل و الاستسلام ، أم أو لأصحاب شعار أذهب و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، أم لأصحاب الحق ليس فقط بالكلام و لكن عملا على أرض الواقع.
يندهش المشاهد للوهلة الأولى لكثرة سماع اللقاءات التي تعقد هنا و هناك لإخوتنا العاملين من أجل التنسيق و التوفيق في كل المجالات الحياتية، سواء الدعوية أم الفقهية أم السياسية لكن بالمقابل التساؤل المطروح هو، لماذا هذا المستوى الفكري لا نجده محققا في الواقع الحالي، فيكفيك أن تحط الرحال إلى أي بلد عربي أو مسلم ، لا يعيش ويلات الحرب لتجد معظم بل قل الغالبية العظمى للأفراد غارقين في ملذات الحياة و كأن العالم لا يعيش حروبا ضد المسلمين و مجاعات ليست بالهينة.
بطبيعة الحال لست هنا أنتقد الفعل بل من الواجب علينا كمسلمين أن نأخذ بوصية يعقوب عليه السلام قبل اليهود و ندخل من الأبواب المتفرقة كلها حتى نحقق أعظم نتيجة للتوحد و التوفيق و التأثير، و لكن هل هذا الجيل الكائن اليوم من أمة محمد صلى الله عليه و سلم يملك بيده النصر أم أن الأمر يتطلب سنوات و تخطيطا على المدى البعيد، و أقف عند مسألة التخطيط فمن غير المعقول إيجاد حلول للأمة دون التنسيق و التوفيق بين كل ما هو مستجد و استيعاب الفر قاء المتواجدين من داخل الحقل العالمي، إلى الآن لم نسمع بالمطالبة بهيئة شعبية عالمية تقر بحقوق الإنسان من منظورنا نحن كمسلمين و بحلف يساعد هؤلاء المتضررين من دخان و كيماويات الغرب، و لنطالب بمقاطعة العمل تحت لواء أي تنظيم تابع لسياسات أمريكا، ربما هذه الأمور مستبعدة الآن و لكنها قريبة التحقق إن تأملنا بنظرة مستقبلية و استطعنا سرد الإشكالات العالمية التي تهدد حياة البشرية و إقناع جل المثقفين بها في كل أنحاء المعمور.
و هذا الأمر يتطلب من أفراد الأمة أو قل أئمتها و قادتها في شتى المجالات أن يعرفوا أهمية الانسجام و الاتفاق في القضايا الكبرى و المصيرية حتى يتحقق فيهم قوله تعالى "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"، و بطبيعة الحال لتحقيق النصر و التمكين فلا زالت هذه الصفة ملازمة للإنسان المسلم و هي تعني حتما الانسجام و التوافق بين تخصصات الجسم سواء في التفكير أو في الوظيفة الفيزيولوجية أو الروحية و النفسية حتى يتحقق ما يسمى بالاتزان، و هذا يلحظ على مستوى الأمة في تجلي مظاهر الوحدة و نكران الذات و التضحية من أجل القيم و المعاني الأصيلة و تصبح القرارات الكبرى لا لبس فيها واضحة كالشمس.
أعود إذن لجيل اليوم هل نحن فعلا قادرون على تغيير شيء و فعل الكثير، بالطبع نعم، لكن التحدي المطروح هو كيف نصل إلى أولئك الغافلين و البعيدين كل البعد من رجال و شباب غرقوا في شهوات الدنيا لصدهم عن الطرف الثالث من المنافقين و من معهم من الكائدين، و لهذا على الحركات الإسلامية و العلماء و المخلصين من جيل الصحوة اليوم أن لا يغفلوا أننا بحاجة إلى مدارس جديدة تستوعب بالإسلام شبابها و طلبتها و في نفس الوقت تحاول الإجابة بشكل مثمر على الأسئلة الإنسانية و العلمية و الطبية المطروحة اليوم فإن كان من الناس من يريد الإحسان فليكن في استيعاب الجيل الصاعد و الذي قد كون، و إعادة بنائه على خيارات تنشئة نقية صافية ليس فيها تشاكس أو اختلاف حتى نضمن أن يصل نفس الإسلام الصحيح إلى كل ثغر من الثغور بداخلنا نحن أولا و لا يبقى منحصرا في كراسي المحاضرات أو حيطان المساجد التابعة للحكومات و التي غالبا ما تضيق على الفكر الصحيح في مقابل العودة إلى المذاهب و التبجح بالمحافظة على سلامة منهج القوم.
علينا أن نعيد اليوم صناعة الشخصية المسلمة العابدة العاملة و الزاهدة أيضا في الدنيا
فالارتباط بالدنيا و إن الحق به فهم الدين و استيعاب المشروع الحضاري الإسلامي فلن يحقق الكثير إلا إذا جاءت معه صفة الخلاص من الدنيا و التي جسدها لنا الحبيب بقوله صلى الله عليه و سلم" إليك عني إليك عني" و التي تمثلت في جلباب عمر المرقع و هذا كان حال المحررين لأوطانهم و ما صلاح الدين و يوسف بن تشافين ببعيدين عنا هم أيضا.
كنت كلما مرت عيني على الآية الكريمة في سورة الإسراء" فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا.ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا" ظننت أن القوم أولو البأس الشديد هم نحن المسلمون و ليس غيرنا لكني عندما بحثت في معظم التفاسير أجد علماءنا القدامى يتحدثون عن الفرس و الروم، أو بالتحديد سنحاريب و بختنصر و لكن لو كانت المسألة متعلقة بما قبل الإسلام و بجيوش الشرك ما أظن أن الله تعالى كان ليصفهم بعباد لنا، و يتضح من جميع التفاسير التي اطلعت عليها على الأقل و كأن الفقهاء لم يكونوا ليضعوا بأعينهم أن الأيام ستنبئ عن أن هؤلاء القوم يفكرون في العودة لبناء العهد الجديد، و بما أن أول الآيات يصف أن العلو مرتبط بالأرض و بأن التأثير ليس فقط في أنحاء المقدس و هذا ما يحصل اليوم إضافة إلى نقص العدد و الذي يؤكده آخر الآية " وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا" ،فاليهود أو بنو إسرائيل لن يعتمدوا في استراتيجيتهم الأولى على كثرة العدد و مع ذلك سيعلون علوا كبيرا و هذا ما يحصل اليوم، بعد أن غفلنا و غفل علماؤنا و حكامنا عن أساليبهم النكراء في الاستغلال و التنصل و استغلال المناصب و الأساليب المختلفة تطبيقا لنصيحة يعقوب عليه السلام التي لم نأخذ بها نحن، و سيكون من النعم الربانية هي كثرة عددنا اليوم و بالتالي سيكون نقطة إضافية لتحقيق النصر إن أخذ شباب اليوم العمل بالنتائج الفكرية لجيل الصحوة الذي سبقنا فكان من الضروري تصحيح المفاهيم على المستوى النظري و اليوم على الأجيال الصاعدة البناء بالسواعد و بالعلم الفياض، ففي بعض الأحيان كثرة دراسة الأقوام و معرفة خباياها تنسي الأصل الذي هو تفعيل الأمة في وجه العدو بربطها بمعالم الدين الحقيقية و الحية و إلا لو بقي عمر يدرس في منهج الفرس و أساليب عيشهم لما فتحوا بلادهم بل الأصل هو الذات المنطلقة و هذا ما يحيلنا اليوم إلى تغيير الاستراتيجية في التعامل مع الوقائع لأن ضعف الداخل لا يمكن له أن يؤدي إلى نتائج حقيقية و ربما قد تكون نسبية و هنا نأخذ مثال الفتح العظيم أيام الدولة الزنكية على يد صلاح الدين فسرعان ما تراجعت الأمة إلى الوراء و عاد يدب فيها الحكام الجشعون فأتخيل لو أن المدارس التعليمية التي قامت بالمعركة الحقيقية في البداية بقيت على نهجها و لم تزغ إلى تقديس الذات لما لا حظنا ذاك الضعف المهول فيما بعد.
إن المواجهات الكبرى في المرات السابقة مع المسلمين لم تكن ضد بني إسرائيل بالضبط، ففي المرة الأولى كان الجهاد ضد الروم و بالثانية بالرغم من أن اللواء كان يحمل شعارا دينيا غير أن دسائسه كانت تخفي الحقد و الغش لأن التنصر عند الروم لم يكن إلا ظاهريا و تاريخهم يحكي ذلك بالتفصيل عن أحوال الرهبان و الملوك و صراعاتهم الدفينة، و بالإضافة إلى هذا اليوم بنو إسرائيل لا يشكلون نسبة كبيرة من البشر ثم أن (الدولة العبرية) اليوم تحاول ما أمكن التضييق على مسألة إعطاء الهوية اليهودية و هذا ملاحظ في مخططاتهم التي أصبحت عند القاصي و الداني أما المخفي كان لربما أعظم.
يحكي لنا الرسول عليه الصلاة و السلام عن أن سبعين ألفا من يهود بني أصفهان يتبعون المسيح الدجال و يبلغ عددهم اليوم قرابة ثلاثين ألفا إذن لتحقيق زمان قدوم المسيح بإمكاننا دراسة درجة تكاثر هؤلاء القوم و بالتالي إعمال زمن تقريبي، و هذا يعطينا أيضا معنى على أن اليهود سيضاعف عددهم و يزيد أكثر في المرحلة الثانية، و لكم أن ترجعوا إلى تقارير الإنجاب عند العرب و المسلمين بشكل عام لنرى التراجع الذي بدأت انطلاقته مع مطلع القرن الواحد و العشرين و نهاية القرن العشرين، و المرة الثانية في الآية يحكي فيها الله عز و جل أن اليهود هم أكثر نفيرا و هذا ما يتوافق مع حديث الرسول عليه الصلاة و السلام عن أم شريك أنها سمعت الرسول عليه الصلاة و السلام يقول " ليفرن الناس من الدجال في الجبال " فلما سألته فأين العرب يومئذ ؟ قال "هم قليل" و بالتالي لن يتحقق نصرهم إلا بمعجزة خارقة و هي مجيء السيد المسيح و تكون هذه الكرة الثانية. التي تسبق قيام الساعة.
بالنسبة للوضع الحالي فالمسألة مرتبطة باستخدامنا لكل الوسائل في إبلاغ الدين الحق و تجنيد الجنود من أجل وحدة الأمة و هذا يتطلب تجاوز الأنظمة كما أنه يتطلب التحرك بتعقل فلا معنى لتجييش جيوش شعب قبل بناء قاعدة وحدة أساسية و هذا ما يميز الحلم و الأناة حتى لا نخسر أكثر الوقت إضافة إلى أن الأمور تسير بسير رباني و نحن فاعلون في أزمنتنا لنا ما نكسب و لله في نتائجه و خلقه شؤون.
و تشكيل قوة مضادة هذا المطلوب اليوم فبدل منع الآخر من تسليح الأسلحة سنقوم بسياسة منع مصادر التسليح التي يشكل النفط فيها المصدر الأساس، بطبيعة الحال القوم ليسوا بغافلين و بالتالي سيبحثون عن منفذ آخر و هو الطاقة الطبيعية ( النباتات ) إذن يجب تفعيل العلاقات مع بلدان جنوب أمريكا و دفع البحوث العلمية في اتجاه فهم طبيعة الصحراء و كيف لها أن تشكل مصدر قوة لنا بدل ضعف و القرآن يحقق ذلك حين يربط بين النخيل و الشجر و الجنات و هذا دور مطلوب من علماء الأحياء . كما أن فقهاء المنابر عليهم أن يحيوا فقه القلوب و ليس فقط الشعائر، و لينتقل أبناؤنا الدارسين لعلم المجتمع من دراسة منهج المفكرين السابقين إلى النزول للواقع و تحليل إشكالات الناس الحقيقية ليحلها أطباء النفوس، و ليقتنع أطباؤنا الكرام و صيادلتنا أن الغرب أفسدوا الهواء و الماء و كل شيء بكيماوياتهم، و لينطلقوا بشكل أقوى للبحث و إعادة الاعتبار للرمزية الطبيعية التي أحياها القرآن حين يذكر لنا دوما الدور المباشر للطبيعة في العيش و الرزق و الشفاء، و لا نغفل عن إحداث مراكز لترجمة الأبحاث النافعة حتى لا ننطلق من فراغ و ستكون اللغة هي وسيلة للتأثير لا التأثر، و يكون الآخر من حيث لا يدري قد أهلنا لعصر الإسلام ، فأعاد المرأة إلى وضعها الطبيعي بعد أن كانت حبيسة الجهل و الخرافة لتعمل على نهج الصحابيات، و ساهم في إعادة بناء العقل الشبابي المسلم لينقله من الثوران إلى حسن التفكير و بالتالي نتخلص من الفقهاء المنافقين الذين كانوا لزمن طويل عملاء للسلاطين و لدنياهم، و ربما المكائد قد وضحت لنا المعالم أكثر مما كنا نفعل "فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا" و الابتلاء هو مدرسة تخرج العظماء أما بالنسبة للمنافقين الذين طال تأثيرهم فهم يقاربون على الانتهاء و الضمور أو التوبة العقلية و النفسية و الصبر عليهم سيكون بنتيجة أهم ما فيها من الخير أنها تمحص و تقوي الصف فيما بعد " و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبلوا أخباركم" .
ربما تختلف وضعية الفاطميين بالأمس و الشيعة اليوم لكن و بدون مبالغة على حكماء هذه الأمة أن يعرفوا كيف نستفيد من التوحد لكن بالتأثير الذي يسيطر و ليس يضعف و إلا لا حاجة للسرعة من أجل تشكيل قوة خرقاء أو عمياء فالمطلوب هو الدفع باتجاه خلق أقطاب مسلمة قادرة على نكران ذاتها في سبيل الهدف الأعظم و لا أظن أن هذا كائن إلا بأناس سليمي الفطرة صادقي العهد و الوعد.
التحدي الذي علينا كشباب اليوم سيتجاوز فلسطين إلى روما التي جاء في أثر الرسول الأكرم أنها ستفتح فلنشكل نداء إلى شباب الأمة واضح المستقبل حتى يتيقنوا و هذا كان فعل نبينا حين أشار إلى أبي سراقة عن ملك كسرى و ليس من العيب أن نخطئ و لكن العيب أن نظل يائسين أو ننجز التاريخ في الأوراق و ليصنع القرآن و الحديث نهج المستقبل فينا مرة أخرى، فمنه نعرف التثبت و التيقن ثم المضي بروية إلى النصر مع المسارعة الإيمانية و الزهد في الدنيا الفانية ، فجيل الصحابة صنع الواقع و الذي بعده كتب و الذي بعده استهوته الدنيا فأثر على الذي يليه ، نحن اليوم استيقظنا من الصدمة وعلمنا ممن قبلنا الصواب و المطلوب هو العمل و البناء المضاعف و الواضح الرؤية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 22nd, 2007 at 22 أغسطس 2007 4:30 ص
السلام عليكم ورحمة الله ..أخبرك زميلنا المحترم أن جريدة التجديد المغربية في نسختها الجديدة ..قد فتحت فضاء للمدونين على صفحاتها .. لتكون هذه الصفحة مكانا للتعبير عن أفكار المدونين و إبداعاتهم ..و هذا الفضاء يحتوي ركن للتعارف بين المدونين ، و مهارات إنشاء المدونات و تفعيلها ، و كاميرا المدون ، مذكرات المدونين ، تقارير المدونين
مصطفى بوكرن
المشرف على الصفحة :
صاحب مدونة الوعي المغربي
http://www.maktoobblog.com/father_father
رسلني على : m_bougarn@hotmail.com
أغسطس 26th, 2007 at 26 أغسطس 2007 3:57 م
رائع هذا البيان ..
الى لقاء ..