أيا سماء أمطري، و يارياح اشتدي، حان موعد النصر، وان طال الأمد، لا تنسي أن البذور تستحق منا الصبر


حين تغيب النهضة

كتبهازينب جلال الدين ، في 23 أكتوبر 2007 الساعة: 01:47 ص

متخلفون متى ننهض؟

بقلم زينب جلال الدين

أيعقل أنها الحقيقة، متخلفون في كل شيء حتى في نظافة الشوارع، جملة قالها المفكر أنور الجندي قبل وفاته، و هي تعكس واقعا مريرا نعيشه، في كثير من الأماكن، لا تكاد تمضي إلا و أنفك يشمئز من روائح تقتل النفس، إن أردت أن تنظر إلى مستوى قوم زر شوارعهم، و لكن، أحياء الرفاهية جميلة المظهر، لا تغتر إنها تخفي ما كان أعظم، فنحن في المغرب و في الأمة انقسمنا شطرين، بين متسخي الظاهر، و متسخي الباطن، أما الأولون فأهلكهم الجهل حتى نسوا معنى الحرية، و أما الآخرون فنسوا معنى التكافل و كبلتهم أيضا أنفسهم فكانوا عبادا للذات.

لم لا نسأل أنفسنا، كم من المقالات و الكتابات و المفكرين أبدعوا طيلة هذه السنين، و انتقدوا الانجليز و السوفيات و الخرافة و الجهل و الاستعباد و الطغيان، هناك مشهورون و هناك أعداد لا تنتهي لا نعرفها، و لكن ما زلنا على حالنا، مستوانا العلمي؟، إبداعنا الفني؟، تألقنا العالمي؟، لم يرق إلى المستوى المطلوب، ومع ذلك، ستظل الأمة تخرج الأجيال و الأجيال جلها لا يفهم، و القليلون المثابرون يموتون غيضا و ألما، لماذا طبعا لأن عدد الذين يفهمونهم هو جد محدود، ماذا ينقصنا العلم، هو في الكتب، الرسالة لنا أعظمها، اللغة لساننا خير لسان، العرق هو سامي، الثروات لا تكاد تنحصر، البشر لا عدد له، نعم إن ما ينقصنا ليس البشر بل بالضبط كره الدنيا و حب الموت.

فهم بعض الناس أن كره الدنيا هو الزهد و التملق، و فهم آخرون أن  حب الموت هو أن يرمى في النار دون صبر، مرت السنين و تغير الفهم، ظن الجميع أنها نهضة، لكن للأسف من زهد أجدادهم في الزوايا أقبلوا يريدون الحياة و الملذات، و من تسرع أجدادهم في تحصيل نضال جزئي شكلي، قد اختاروا فكرا متطرفا، و قالوا إما الجهاد أو الجلوس في بيوتنا ننتظر الخلافة؟

فكرة الخليفة المنتظر ليست فقط في فكر تنظيم معين، بل هي في عقل كل عربي و مسلم، يذهب لعمله في الصباح و يعود لزوجته في المساء و كأن شيئا لم يكن، ينظر فيما حوله، و لا يحتاج إلى أن يفرض على عقله المتكاسل، أن يفكر في حل أو يقرأ ليفهم مشكلة معينة و يجد لها مفهوما مقنعا، و لا أدل على ذلك إخبارات المحطات التلفزية المعاصرة، و آراء المجتمع كل يقول ما يريد و كيفما يريد و متى يريد حتى أن أحدا بمغربنا الحبيب صنع لنفسه جمعية للحمير، إنها محلة الانحطاط الفكري بامتياز، و أيضا مرحلة الإشباع المعرفي، الذي لا يفيد مع كثرته نظرا لغياب الوعاء العقلي الذي سيتقبله و يضعه في مكانه.

نعم استغراب حقيقي، من كل الذين لا يكلفون أنفسهم جهد التفكير في حل أو الاقتناع بتنظيم هذا الحل، و الأرجح أن تكون المدنية الحديثة مساعدة في تقدمهم، فانظروا معي أعداد المثقفين الذين يخرجون يوميا لأعمالهم، كل في مصلحته يواظب و يمضي بمنهج قويم و سوي، فالشركة تمضي بخطى ثابتة و الأعمال يقوم بها أفراد متكاملون، و أي خلل سيؤدي بالمخطئ إلى الطرد، أو العقوبة، الصحفي في مكتبه، و المدير في مجلسه، و العامل في معمله، و المتاجر في محله، و الصانع في مصنعه، من منا يتخلى عن العمل أو ينتفض ضدا على المنهج الذي وصلت إليه آخر المعارف و المدارك الإنسانية،   لا أحد طبعا فالكل يتابع ما استجد في عالم المال و الأعمال و المعارف ليطور واقعه الذاتي، و يتابع ما استجد في عالم الكماليات و الضروريات ليرفع من مستوى حركيته.

و لكن حين يتعلق الأمر بالآخرين و نظام الآخرين، و حين يتعلق الأمر بالدولة و الأمة و المنكوبين و الذين يعانون و الذين يقهرون و الجاهلين، من ينظمهم و ينظم إشكالاتهم و تحدياتهم، لا أحد، الجواب سهل، ليس لي مع السياسة، و الآخر إرهابي، و الجمعيات  مصلحية، و النظام فاسد مفسد، و تكثر الواءات و اللاءات و ثقافة الإهلاك و الهلاك، لتبرير العجز و التقاعس.

ما علينا أن نقتنع به اليوم هو أن النهضة لا يمكن أن تحصل إلا بنهوض الجميع للقيام بواجب الإصلاح، و من يظن أن حركة أو تنظيما أو هيئة بيدها الحل فهو يحلم، و من يظن أن المستقبل واضح جلي فهو يحلم، لأن ما يظهره الواقع هو أن قلة المساهمين بفكرهم في إبداع المسار الحقيقي للتغيير هي ما تجعل الفكر الإصلاحي سرعان ما يقف عند محطة و تعود القهقرة من جديد، تحدينا اليوم هو كيف نحصل الاستمرارية في الانتقال من محطة إلى أخرى متقدمة أكثر منها دون العودة إلى الوراء أو الانسياق وراء مظاهر تافهة تلهينا عن تفعيل الوسائل التي تمكن من التطور.

الكل اليوم يتحدث عن التدرج و الاعتدال و المنهج الوسط، فظنه البعض هو الإنشاد طيلة النهار، و ظنه آخرون تعاطف مع الغرب، و آخرون جعلوا منه وسيلة لإلغاء جانب العزة و الأنفة في الدين، و عجز و يعجز الباقون عن الوقوف مع كثرة المعاني و الفتاوى المفرخة، في كل مكان، زمن يمثل قمة التدافع بين النفاق و الحق. و ينتظر من المسلمين التوجه إلى فهم الحكم القرآنية مباشرة دون وسائط، حتى يتسنى لكل فرد الإبداع في مجاله، و يعجز حينها المبطلون عن استحماره استغفاله.

أضف إلى ذلك الحديث عن القوة التي أظن أنها كانت ضعيفة في يوم ما، أما اليوم فليس الإشكال في القوة، و لكنه يكمن في كيفية  تمزيق هذه الكيانات الضعيفة المتساقطة التي تشكل الفسيفساء، و تبيع العرض و الثروة، و ذلك عبر فكر حقيقي يقطع مع الخرافية و التسطيح و السذاجة و يتصل بالوحي الرباني مقتنعا بأهمية الممارسة الفعلية الصالحة في أرض الواقع، ممارسة تتناسى الذات و اللذات و تقبل على الآخرين بصدق و سعة صدر، لنمضي عبر السنن بمرحلة الصبر و البلاء، و نخلص المجتمع من فكر الإنتظارية و النقد الأعوج الذي لا يرتبط بفهم راشد، و لا ينتج في نهايته إلا كثرة التشاكس. ألا نرى كيف أن تجانس مكونا الإناء مرتبط بتقسيم بعضها لبعض و ذوبان بعضها في بعض، كذلك حال الأمة، تحتاج لفعل جماهيري و فكر جماهيري يطالب بالوحدة بدل التمزيق و بإلغاء الحدود و يقوم فعليا بانصهاره في بعض كي تتلاقح القبائل و الأفراد و الهيئات، و يتم حينذاك صنع النموذج الإسماعيلي في الواقع نموذج انصهرت فيه الاختلافات و شكلت وحدة  أصلها الاختلاف في الأصول و المشارب.

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “حين تغيب النهضة”

  1. ما علينا أن نقتنع به اليوم هو أن النهضة لا يمكن أن تحصل إلا بنهوض الجميع للقيام بواجب الإصلاح، و من يظن أن حركة أو تنظيما أو هيئة بيدها الحل فهو يحلم،

    #############

    نعم يا أستاذه هذا ما نحاول تمريرهع للناس بكلمات أخري نريد حركه شعبيه لا فلسفات نخبويه

    أحييكي علي هذا المقال

    أدعوكي لقراءة مقالي

    الخروج من المأزق المصري بالخروج من مأزق الإخوان

    http://matpool.maktoobblog.com/580708/_

  2. لله درك . .
    سلم يراعك . .
    وسلم ما سطرت يداك . .
    كوني بخير دائماً ..
    وعلي الحق والخير ..
    دائما نلتقي ..
    ابن الشاطئ

  3. نور على نور .الحمد لله

  4. السلام عليكم

    فوجئت أنك من المغرب و تعرفين الشاعر أنور الجندي وهو من نفس المدينة التي خرجت منها،أم أنك تقصدين شخصاً آخر.

    تحياتي لك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر