لغتي الحبيبة آسفة
كتبهازينب جلال الدين ، في 2 نوفمبر 2007 الساعة: 08:47 ص
لغتي الحبيبة آسفة
زينب جلال الدين
ما كان ظني في يوم من الأيام أن أجد نفسي أتحسر على كل ما تعلمته في صغري من اللغة، كل هذه المدة البعيدة عن الحديث بها و تطبيقها إلا في بعض المحطات الطلابية و الدعوية، تجعلني أتقزز من وضعنا خصوصا نحن طلبة العلوم بصفة عامة، و العلوم الطبيعية بشكل أكبر، نحن كالذي أراد تقليد الحمامة فما استطاع، لا زلنا نطالب فقط في بعض النقاشات الجانبية و البيانات بإعادة الاعتبار للغة في مستويات الحياة العلمية و الاجتماعية، و يبقى حلما كسائر الأحلام.
أما التنزيل، شيء يخاف منه الجميع لأنه يتطلب ضغطا على النفس و بذل الجهد من أجل التمكن، فكم منا من يعيد مشاهدة مسلسلات أو برامج أو يفضل سماع بعض التفاصيل في مواضيع باهتة الفكرة على أن يجلس أمام طبيب يعلمه قواعد العلم و البيان الفصيح، أو حتى يجبر نفسه على البعد عن كلمات الآخر قدر الممكن ليحل بدلها ألفاظ لغة الكتاب.
لا أنسى ذلك اليوم الذي أحرجت فيه كثيرا حين وجدت نفسي أمام ملأ من نساء بلدتنا و المطلوب مني الوقوف مع بعض آيات القرآن و تراثنا النبوي الكريم، كنت أحس في قرارة نفسي و أنا أنطق بالجمل أنها تعود و تضربني مرة أخرى، فالمجلس لا يكاد يحوي إلا خمس فتبات متعلمات، و الباقي جله نساء مسكينات قد قست عليهم الحياة، و جعلت أكبر همهم المطبخ و غرفة النوم، يا حسرة على نساء المغرب و العرب، كل عصر لم يأتهم إلا بالقمع و التجهيل، لم تمض دقائق على المجلس حتى طلبت مني صديقتي التدريج في الكلام، لم يخب حدسي تلك المرة، و قد كنت مثلها أحس أن النساء يحاولن الفهم و لكن لا غالب إلا الله، أجبرت لساني على الدارجة و لكن، كيف تدرج آيات الله و أحاديث رسوله، فالعامية لم و لن تتقدم و لن تستطيع إبداع كلمات جميلة توضح الغامض و تثبت المهم.
لم تمض مدة بعد ذلك، حتى كان لي حديث ثن، هذه المرة مع أحد سائقي سيارات الأجرة، المسكين كان يشكو من سيارته المتهرئة بعد ما أخبر بأسباب و مشاكل هذه الفئة المجتمعية، أراد أن ينهي حديثه بآية قرآنية ليقنعني برأيه، فإذا به يقول"حقا لقد قال الله عز وجل: الحديد فيه بؤس شديد و منافع للناس"، حينها كنت عند باب بيتنا فما من وقت بقي إلا لتصحيح الآية، و التعقيب كان هذه المرة بعدما نزلت و الدموع على جفني، أهكذا سيفهم القرآن و ينصر الإسلام، الأعراب كانوا أكثر فهما للغة و مع ذلك قد وضح الله عز وجل قلة فهمهم لكثير مما يقوله رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم، فما بالنا بمن لا يدري الألف من الياء.
من الذي يمنع الشعر العربي من العودة إلى الساحة من جديد، و كيف أن جل الأغاني بل حتى الأناشيد الإسلامية لا تعتمد إلا على كلمات عامة أو متكررة لا تتجاوز بعض المدح و الثناء حتى تبالغ أحيانا، أو تكثر من الرثاء و البكاء و الحماسة، حتى تظن أن النصر حل، أليس من الواجب علينا أن نعمل فكر النهضة في الشعر ليفهمه المثقف و العامي و يغنيه في ساعة الأسى و الفرح، و كم أثر المديح النبوي في أهل الأندلس لينصروا الإسلام، لو ظل الصحابة يتغنون بالأمداح ما ورثوا الأرض، و لكنهم فهموا قيمة اللغة فعضوا عليها بالنواجذ و ها هو عمر كان ينصح و يقول أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم"، و إحياء اللغة في فترة سابقة من الأمة هو من أعاد لها فهما دقيقا لتراثها و أنتج عبقريا كشوقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نفس و مجتمع | السمات:نفس و مجتمع
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























