أيا سماء أمطري، و يارياح اشتدي، حان موعد النصر، وان طال الأمد، لا تنسي أن البذور تستحق منا الصبر


سبتة الكبد المسروق و المنسي

كتبهازينب جلال الدين ، في 12 نوفمبر 2007 الساعة: 16:02 م

سبتة الغالية جزء (1)       

زينب جلال الدين

توطئة:

إن أردت أن تسترجع ذاكرة المدينة، ليس عليك أن تنظر في التاريخ القريب، فربما العلاقات المغربية الاسبانية بعد الاستقلال و قبله بزمن قليل لن تجلي لنا بوضوح حقيقة الأزمة أو منطلقها، و هي كذلك لا تشعرنا بأهمية المدينة و جوهرها و كذلك قيمتها التاريخية المنسية.

و الإنسان بطبعه لا يمكنه السير قدما دون أن يعود محطات إلى الوراء، يبحث فيها عن كنهه و جوهرة و حقيقة ما يريد، فالتاريخ لا ينقص من سرعة تقدمنا، و لكنه يثبتنا و يعطي لما نقوم به في الحاضر معنى حقيقيا.

دعونا نقول بأن الناظر في تاريخ المغرب الأقصى قديما، و عبر تداول كل الدول و السلاطين عليه، لا يمكنه أن يصادف كتابا أو مطبوعا عن ثقافة و فكر و سياسة و اقتصاد مدن من المدن المغربية دون أن يستحضر في طياته مدينة سبتة.

هذا ما سيجعلنا قبل بداية التفصيل في تطور الأحداث، الاقتناع أولا بأن المكان الذي ينتج علماء و يقوم بأدوار إستراتيجية تاريخيا، لا يمكن له إلا أن يكون متميزا و يستحق من أهله الذود من أجله بالغالي و النفيس، و هذا ما لم يحصل من أجل الحبيبة التي نتحدث عنها اليوم.

اشتداد الخطر، نقطة الانعطاف الأولى :

و الخطر هنا أقصد المغرب كله، و ليس فقط سبتة و كما قال صاحب المغرب عبر التاريخ "ابراهيم حركات" ، بدأ الخطر يتوجه إلى المغرب باتحاد مملكتي الأراغون و قشتالة و نشأة مملكة البرتغال التي استعانت بالجيوش الصليبية في الاستيلاء على عدة مدن من غرب الأندلس، و ازداد التوحد ليكون من أوائل النصر المحقق للعدو المشاركة المتجلية في الآلاف بمعركة العقاب التي استرد فيها النصارى بياسة و أربذة و فرال سنة 609 ه.

في هذه الفترة كانت سبتة تقوم بدورها المهم كرابط بين الأرض الأندلسية التي عرفت تشققات خطيرة بعد ضمور المرابطين و ظهور دولة الموحدين في المغرب التي عبرت عن قوتها نسبيا  على الأقل في حماية ما تبقى من المكتسبات وعدم تقديم ما تبقى من أرض الأندلس طعما سهلا للعدو،  كما كانت سببا في الازدهار الذي شهده المغرب في عهدها على المستوى الثقافي و العلمي، و ذلك ببروز عدد مهم من العلماء.

مرحلة الازدهار:

بالرغم من أن العالم الإسلامي في فترة الموحدين كان يعيش مرحلة انتقالية جديدة تنقله من الريادة إلى الضعف و إن بشكل بطيء، إلا أن ازدهارا علميا قد عرفه المغرب خصوصا في الجانبين العلمي و المعرفي، و قد تمثل في بروز عدد مهم من العلماء و الفقهاء كان لهم صيت و دور في تخريج زمرة من القادة المتميزين في مجالاتهم، و استطاعت سبتة أن يكون لها دور و فضل في هذا الجانب.

نذكر من أهم العلماء السبتيين:

أبو مدين الغوث المشهور بتصوفه و الذي له الجملة المشهورة "بفساد العامة تظهر ولاة الجور و بفساد الخاصة تظهر دجاجلة الدين المفتاتون"، " من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه"،

أحمد أبو العباس السبتي و قد ولد فيها سنة 524ه و اشتهر بمذهب الاحسان حيث أشاعه في مراكش و كان يرفض إجبار والدته له على تعلم الالبزازة و يفر إلى مجلس الولي أبي عبد الله الفخان كما اشتهر أيضا في ميدان الطب.

علي بن محمد الشاري، و لد بسبتة سنة 649ه، اشتهر في القراءات و التفسير و الحديث، و هو أول من أسس مدرسة خصوصية بالمغرب على النموذج الشرقي، يقول عنه مؤلف صلة الصلة، "و كان قد تحصل عنده من الأعلاق النفيسة و أمهات الدواوين العلمية ما لم يكن عند أحد من أبناء عصره و لا تحصل عند كثير من من تقدمه. وبنى مدرسة بسبتة ووقف عليها من الكتب ما يحتاج إليه، و شرع في تكميل ذلك على النسق الجاري بالمداس ببلاد المشرق فعاق عن كمال غرضه قواطع الفتن ….. "، و قد وضح الأستاذ حركات أن الفتن المقصودة هي المعرك الطاحنة التي جرت بين الموحدين و بني مرين، كما درس العالم الشاري الطلبة في كل من ألمرية و مالقة و خرج فيها المحدث الطنجالي و القاضي بن ربيع.

محمد بن أحمد بن مرزوق التعمري السبتي و كان من المحدثين المشهورين في عصره.

الفيلسوف أبي الحسن علي بن خليل المسفر السبتي اشتهر في الفلسفة و يقال أن هذا العالم الجليل هو صاحب كتاب منهاج العابدين و المضنون الصغير و ينسبان خطأ إلى الإمام الغزالي و قد وضح الأمر العالم المغربي عبد الله كنون في إحدى دراساته بمجلة التربية الوطنية. و قد تتلمذ بن العربي على هذا الفيلسوف المتصوف الشبيه بالغزالي حيث نجده يقول:

فاهدموا بيتي و رضوا قفصي    و ذروا الطلسم بعدي وثنـا

و قميصي مزقوه رممـــــــــــا   و دعوا الكل دفينا بيننـــــــا

قد ترحلت و خلفتكــــــــــــــــم  لست أرضى داركم لي وطنا  

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي  ولد سنة  577 ه و قد درس على يد بن العربي. اشتهر في اللغة في العصر الموحدي.

و لقد كان السبق لسبتة في استقبال الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الشرق لإلقاء دروس فيها هي و مراكش سنة 657ه. 

و بطبيعة الحال ما هذه الأعلام التي تشرفت المدينة بإنتاجها أو استقبالها ليست إلا جزءا من الحقيقة التي لا تتطلب منا إلا البحث في حقائق التاريخ، و إضافة للميدان العلمي كما تمت الاشارة فسبتة كانت متميزة بإنتاجها للورق و مصانعه سنين مديدة و خصوصا في عهد المنصور الموحدي و التي كانت تنافس بها فاس، إضافة لقسطنطينة و القيروان.

كما أن سبتة لم تكن تقل أهمية عن مراكش و فاس فهي و طنجة شكلتا ولاية سادسة في دولة الموحدين. أما في الجانب الاقتصادي كانت المدينة فاعلا و ربما كان هذا السبب في قلب موازينها عبر التاريخ، و سيصبح الذي هو إيجابي سببا في النقمة التي ستحل.

نقطة الانعطاف الثانية:

لقد سمحت المدينة بإنشاء أول فندق سياحي تجاري بشمال إفريقيا عهد الموحدين، و قد تم منح أهل مرسيلية ضمانت لحماية ممتلكاتهم و في نفس الوقت يستفيد أهل البلد من تحريك التجارة و السوق، فبين 1212 و 1246 باع المرسيليون بواسطة اليهود في سبتة و بجاية ووهران و تلمسان قطعا مالية عربية تساوي نصف درهم ضربت في منطوبولي بقصد التصدير؟؟؟؟؟؟.

الإنعطاف الثاني:

لقد كان هذا العهد التجاري مع الغريب ثاني الانعطاف فيما بعد لكن الشعور به لم يكن كبيرا لأننا نحن المسلمون ننسى أن العدو لا يحتاج إلا إلى القوة لينقض العهد و يقوم بما يريد من حقد و ضغينة.

كان من أواخر أمجاد سبتة وقيامها بدور مهم في عهد المرينيين عند السلطان عبد العزيز حيث انطلقت أساطيله منها لتحير الأندلس مستغلين بذلك ضعف العدو و تشرذمه و ذلك سنة 770ه، لكن الفتن الداخلية بعد ذلك كانت مساهما في التقليل من أهمية الدولة المرينية التي لم تكن بكفاءة سابقيها فتوات الفتن. و أصبحت نقطة الإيجاب التي هي التجارة و العهد مع النصارى في سبتة هي السبب في احتلالها.

و يقول في هذا الأمر صاحب "نشر المثاني": في كيفية استيلاء البرتغال على سبتة قصة تشبه قصة قصير مع الزباء قال: " رأيت بخط من يظن به التثبت و الصدق أن النصارى جاؤوا بصناديق مقفلة يوهمون أن بها سلعا و أنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين و ذلك صبيحة يوم الجمعة من بعض شهور سنة ثمان عشرة و ثمانمائة و كانت تلك الصناديق مملوءة رجالا عددهم آلاف من الشباب المقاتلة فخرجوا على حين غفلة من المسلمين و استولوا على البلد و جاء أهله إلى سلطان فاس مستصرخين له، و عليهم المسوح و الشعر و الوبر و النعال السود رجالا و نساء وولدانا فأنزلهم بملاح المسلمين ثم ردهم إلى الفحص قرب بلادهم لعجزه عن نصرتهم حتى تفرقوا في البلاد و الأمر لله وحده". هكذا كانت الحادثة كما يحكيها صاحب الكتاب و التي تظهر الخيبة الأولى و التي ستعقبها خيبات أخرى بعد ذلك. و يضيف " و سمعت من بعضهم أن الذي جرأ النصارى على ارتكاب تلك المكيدة هو أنهم كانوا قد قاطعوا أمير سبتة على أن يفوض إليهم التصرف في المرسى و الاستبداد بغلتها و يبذلوا له خراجا معلوما في كل سنة فكان حكم المرسى حينئذ لهم دون المسلمين و لو كان المسلمون هم الذين يلون حكم المرسى ما تركوهم ينزلون بذلك العدد من الصناديق مقفلة لا يعلمون ما فيها و اله أعلم بحقيق الأمر".

و يقول صاحب الاستقصا:" و لما استولى البرتغال على سبتة اعتنى بها و حصنها و استمرت في ملكتهم مدة تزيد على مائتين و خمسين سنة ثم ملكها منهم طاغية الاصبنيول في سبيل مهادنة و شروط انعقدت بينهم بمدينة أشبونة في حدود 1080 ه، كانت أوائل المحطات الجهادية بين المسلين و برتغال سبتة ما جاء على لسان منويل هي تلك التي أعقبت نزول أهل غرناظة بعد طردهم من الأندلس بمدينة تطوان و بنائها فكانت منطلقهم للإغارة على سبتة  و قد استطاعوا أسر ثلاثة آلا ف من الأسرى استعانوا بهم على إكمال بناء المدينة؟.

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تاريخ | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “سبتة الكبد المسروق و المنسي”

  1. السلام عليكم ورحمة الله

    لا بد دوماً أن أهنيك أختي زينب على ماتخطينه بقلم الإيمان والوطنية .

    سدد الله خطاك ووفقك لما يحب ويرضى .

  2. شكرا للكتابة وتحية لك

    الذي اسقط سبتة ومليلية هو الاقطاع المالي والسياسي والاقتصادي في المغرب

    سواء في مراحل تاريخية اولى او في مراحل تاريخية متاخرة

    الاراضي المستعمرة لا يمكن تحريرها الا بتحرير الانسان من الجمود وباشاعة الديموقراطية حيث هي العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية

    ولا تحقيق عدالة الا بقراءة التاريخ والوعي به من منظور صراع نقيضين الحر والاقطاعي… المستبد والحر

    ولا حركة الا باخد العبرة من حركة ابا عبد الله الحسين الذي وقف امام الاستبداد الذي لبس توب الدين واحتكر راية الفتوى وسيطر على ثروة المسحوقين

    تحياتي لك مجددا ونعم للتحرر من الاستبداد والقمع والجهل

  3. حضرة الاستاذة الكريمة..

    قصيدة قديمة كنا نتدارسها ايام الابتدائي الاثيرة الى النفس، تقول القصيدة:

    من سبتة الفيحـــاء طار بيَ الهوى لمليليهْ

    من مهد آبائي الأمــاجدِ نحو مجد جدوديــــه

    …….

    القصيدة طويلة بها روح من الاعتزاز بالوطن وفورة عشق لترابه الكريم

    مع التحية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر