أيا سماء أمطري، و يارياح اشتدي، حان موعد النصر، وان طال الأمد، لا تنسي أن البذور تستحق منا الصبر


الشأن الديني بالمغرب: سؤال الماضي و الحاضر و المستقبل

كتبهازينب جلال الدين ، في 16 فبراير 2008 الساعة: 18:23 م

الشأن الديني بالمغرب: سؤال الماضي و الحاضر و المستقبل

بقلم زينب جلال الدين

إن المؤسسات الكبيرة الشكل و الصغيرة الفعل، أصبحت تشبه تلك المرأة الجميلة المقبلة على مجمع من الرجال فصاحوا في أنفسهم إنها كاملة، فلما نطقت عرفوا أنها بلهاء، و أجاب أحدهم يا ليتها كانت عاقلة أو بمصطلح آخر، "حرة"، و الكل طبعا يعلم أنه حتى قبل الرسالة الخاتمة لا تنافي بل لا فصل بين المرأة الحرة و العاقلة.

لقد كتب أحد الرفاق في جريدة الأحداث بتاريخ 11/2 معنونا إياه، " الأصولية و التدبير المفوض للشأن الديني"، و أخد يصب جام غضبه على التدخل في شؤون الهيئة و الوصاية عليها ثم يحذر و ينذر ويطالب بعد ذلك بتصحيح المجالس من الأصولية، و ذلك في شخص العلماء الذين في حد رأيه دعاة اللامذهبية، و قد ختم مقاله  بجملتين مهمتهين سيكونان منطلقين لتتوضيح بإذن الله،  فهو يقول و يدعو " و لذلك فمهام الديموقراطيين و العلماء المغاربة و الزوايا، تتعاظم في التصدي لكل مظاهر الزيف و التدليس، و يختم " إن الأصولية خصم لهوية البلاد و مؤسساتها، تعتبر المذهب المالكي بدعة و العقيدة الأشعرية شركا، و التصوف السني ضلالة"، فلنتحقق ببعض الرجوع إلى التاريخ لنفهم ما حقيقة هذا القدح المباشر، و لكن قبل ذلك نسأل عن أي أصولية يتحدث أم السيد يجمعها كلها في سلة واحدة.

فإذا كان الهدف حماية العقيدة الأشعرية، و بما أنها عقيدة متكاملة تجمع بين الفكر و العمل التشريعي  فالأولى العمل بأحكامها و القواعد التي منها "عزل الحاكم الذي لا يطبق حدود الشريعة"، و "اختيار الأمراء و الوزراء على أساس الشورى و ليس التعيين، و أين نحن في دولتنا اليوم من الشورى و الرأي، و كل هؤلاء المسئولين على رؤوس الهيئات و مجالس التسيير هم بالتعيين، ثم إذا كان عدد منهم من الكفاءة المستحقة و هذا مطلوب، فما تقولون في من همه استحضار ما هو أمني حتى أصبحت المساجد كالبعبع المحروس، ما فتئت تقفل إلا بعد لحظات من فتحها، هذا بالطبع مع استثناءات متعلقة بمساجد تمول من الخارج – و بالضبط من بلد ابن عبد الوهاب- و رغم احترامنا للفقيه في علمه و نضاله، و لكننا هنا نكاد نحسم جميعا أن التعصب لا يولد إلا القمع و الكبت، أو الفهم الضيق للدين، فيا ترى هل هذه الوضعية هي في صالح الحركة الإسلامية و المذهب المالكي منذ زمن، أترك لأخينا أن يجيب بنفسه على السؤال، و لنؤكد له المسألة، نستحضر هنا السيد عبد الكبير العلوي المدغري في كتابه  "الحكومة الملتحية، دراسة نقدية مستقبلية"، يقول بالحرف : " لقد وقع تغييب وزارة الأوقاف من هذا الملف فكانت لا تستطيع التدخل في المؤسسات الوهابية الموجودة في المغرب ولا في نشاط الأفراد الوهابيين لأنهم جميعا كانوا متمتعين بحماية خاصة" ثم يضيف " قد خرجت السلفية الجهادية في المغرب من تحت جناح دجاجة الوهابية، وتدربت عناصر السلفية الجهادية على السلاح… ولعل ذلك أن يكون قد تم… بتنسيق بين وزارة الداخلية وبلدان أخرى، ولأسباب استراتيجية وجيوسياسية معينة"، و لا أدل في أن تلك الأسباب هي التضييق على الفكر المعتدل المالكي و الذي تتشبث به الحركة الإسلامية و طبعا لا نقول أن في  بداية كل تنظيم يكون هناك حراك و اختلاف ثم بعد ذلك، يرتفع منسوب المعرفة و التكوين ليصحح من أخطاءه كما فعلت الحركة في مصر و التغييرات الفكرية بما يخص العنف، و هذا إن افترضنا أنه كان خيار الأصولية بمصطلحه كما يقول. و للملاحظ بصورة عامة حتى كل المغاربة لو سألتهم يعرفون أنه لا تضييق على تلك المساجد التي تعمل على استقطاب كل شاب مقبل على الالتزام إليها حتى يبتعد عن صف العمل التنظيمي الملتزم، و نتساءل في ما يخص المساجد الأخرى التي يتحكم فيها بطريقة جعلت من الأئمة حماة أمن و أوهمتهم بالرغبة في تأطيرهم و تكوينهم، و هي في نفس الوقت تقلص من ميزانية دعمهم ، لتبقى وضعية الفقيه محاطة بمضايقات مادية و أخرى تمنعه من التأطير إلا بعد الرجوع مرة تلو الأخرى إلى المسئولين، و الانضباط الصارم فيما يخص المواضيع المطروحة،  هذا ما أدى إلى حصول تناف بين كثير من الأئمة في وظيفتهم و أحقيتهم بأن يكونوا قدوة للناس، مما سبب بعدا أكبر من المواطنين، الذين لا يحسون بالتأثر إلى في محطات الجمعة و التي غالبا ما يكون المتكلفون بتوجيهها من أئمة، بالرغم من استقلاليتهم أو انتمائهم التنظيمي لبعض الجماعات أو المؤسسات العلمية الجامعية، يبقى ذاك اللقاء الأسبوعي غير كافيا للتأثير بشكل أكبر في المجتمع كما سيكون الحال بالنسبة للأئمة المشرفين على المساجد.

و بما أن الوسيلة الأجدر لرد الشباب السلفي -الذي له شعبية في الأوساط الأمية و المتدنية علميا بشكل أكبر- لوعيهم و صواب تقديرهم للأمور، هي العفو و الأمر بخروج بعض كوادر التوجه السلفي الذين راجعوا قراراتهم داخل السجن و عبروا عنها في لقاءات و بيانات واضحة، للأسف هنا تغيب الديمقراطية الحقيقية التي من المفروض عليها بعد غياب ثبوت القيام بالجرم و تغير الفكر لدرجة أنه أصبح سليما و يمكن أن يحل لنا كثيرا من الإشكالات، الدولة لا تستطيع العفو في هذا الموقف بالذات، فقد يصبح الأمر وحدة و قوة للعمل الإسلامي بالمغرب و هي ما فتئت تبحث عن الأسباب للتفريق بين صفوفه وإيهانه مستغلة بذلك مستجدات سياسية و وطنية من مثل الانتخابات أو 16 ماي.  

نعود بعض الشيء لنفهم ما يقع في صلب المؤسسات التي يدافع عنها السيد و يطالب منها الوقوف بجلدة أمام التعصب و الأصولية، ونستحضر كلام السيد الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى في حوار  مع جريدة العدالة والتنمية، "ومما يثير الاستغراب أن البعض يستعمل عبارة: المؤسسة الدينية الرسمية، وكأن هناك دينا رسميا ودينا آخر غير رسمي، وهو بدعة جديدة، لا أدري من أين وفدت؟! ومن ابتلانا بها؟! إن دين الله واحد، فليس هناك دين تمارسه المؤسسة الرسمية، ودين آخر يمارسه غيرها. إنها حقا مفردات تثير الاشمئزاز، ولا يروجها إلا ذو خلفية غير بريئة". و يضيف السيد "فمنبر العلم مقدس لا يعتليه إلا فقيه عالم، وإمام تقي نقي، عملا بوصية من وصايا السلف الصالحين التي تقول: "إن هذا الأمر دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم وفي مقدمة ما تتغياه مهمة العلماء تطويق ظاهرة الفهم الخاطئ للدين. فهل هؤلاة التقاة النقاة هم وحدهم من ينضمون تحت لواء الهيئة الرسمية، و لو ارتضينا الديموقراطية و الاختلاف في تدبير الشأن العام فلم لا نرتضيها في احترام و تقدير الأفكار المغايرة للتوجه الرسمي بل الذي يزيد الطين بلة حين نعتبر أن كل عالم خارج صور الهيئة لا تقبل منه الفتوى و لا التوجيه، و هل يعقل أن نتناسى علماء أمة تجاوز أعدادها باقي الأمم، ثم ألا تجدون تناقضا بين الجمل السابقة و هذا الفصل الذي يأتي في بيان بعض الفتاوى الرسمية و ما جاء فيها :

1/ ولئن كان تحقيق المصلحة أمرا تتشوف إليه الشريعة، فإن الإمام الأعظم بما له من إلزامية القرار، ومن قدرة على توجيه النظر الاجتهادي، يظل هو المؤهل لتقنين ما يحقق المصالح الحقيقية، ويدرأ المفاسد التي قد تتراءى في صورة مصالح.

2/ ومحافظة على هذا النهج القويم وإحياء لرسومه وتحقيقا لغاياته وأهدافه، أسس أمير المومنين محمد السادس نصره الله ـ المجالس العلمية المحلية والمجلس العلمي الأعلى الذي يشرف برئاسته. وهو الجهة الموكول إليها النظر في الفتوى الشرعية بضوابطها وشروطها في المملكة المغربية. فالفتوى في المملكة المغربية موكولة إلى مؤسسة علمية ولم يعد بإمكان أي جهة أخرى أفرادا وجماعات أن تتطاول عليها.

سنأخذ مثالا واحدا للفتوى المتلعقة بمسألة السكن ، و نطرح الأسئلة الآتية، لماذا كان هناك تناس للاشهارات و التحفيزات التي تقوم بها وزارة الإعلام في شراكة مع وزارات أخرى و مؤسسات مصلحية لدفع المغاربة جملة واحدة، مزلوطيهم وأغنيائهم إلى الاقتراض بالربا، هل نسي علماؤنا الكرام هنا و أصحاب الهيئة الشرعية الرسمية، أن يستحضروا أن الأمر فيه اقتراف و قدح في حدود الله، أم أنهم فقط تذكروا ذلك، حين تعلقت المسألة بتجاوز حدودهم كوظيفة إفتاء و تم تدخل عالم من خارج الوطن، ثم لماذا هذا التغييب للظروف الاجتماعية التي يعيشها المغاربة الفقراء من بؤس و ظلم من السلطات و قمع لحرياتهم، ألا يتابع أصحابنا العلماء التقاة النقاة كل ما يجري.

فتوى أخرى صدرت توجه إمامة النساء، نتساءل هل كانت هي الأخرى مرتبطة بحدث خارج الوطن أم داخله، أم هي حاجة ملحة، و لو كانت حاجة فحبذا  ولا بد من توضيح أمور تكون ربما أصعب من الإمامة، و الدين أولويات و مصالح كما جاء في قضية الأحكام المرسلة، فألا ترون علماءنا الكرام أن المرأة المغربية ربما تقبل على جهنم بهذا اللباس المشين الذي أصبحت تخرج به، فلو كانت منكم فتوى عن العورة و اتقاء شر اللعنة الربانية توضحون فيها، رسميا و ليس فقط محليا هذا الأمر لعموم النساء، فلو افترضنا جدلا أن امرأة صلت بجماعة من النساء و الأطفال، و كان الأمر فيه خلاف فقهي و هي عن غير علم، لن يكون جزاؤها جهنم، لكن المرأة التي  لا تدري ما حدود عورتها في الشاطئ و الحمام هي حقا بحاجة إلى توضيح و نذير، فالقضية جنة أو نار.

و لنقم بمقارنة بين علماء أحاطوا بالملك في نهاية الاستعمار و بداية الاستقلال و علماء يفتون اليوم، حتى ندرك أين يكمن لا نجد هنا أحسن من السيد بنونه في العدد الأول من مجلة الحكمة و هو يقول يوليوز 1957. و إن من أهم ما يجب تغييره ما تركه الاستعمار من في العقول من الحاد  و مادية و في القلوب من قسوة و ميل و في الجوارح من جموح و حرون و في النفوس من ضعف و سوء و ما تركه في المدرسة من تضليل و تجهيل و في الإدارة من محسوبية و استغلال و في المتاجر من احتكار و انتهاز و في المحاكم من ظلم و ارتشاء و في المجتمع من خدمة و استهتار و تحرر و انطلاق"، أليس هذا موقف فيه التحام بين علماء و شعب بدأت تظهر في جنباته فئات تستغل خروج المستعمر لتنقلب على قيم و مفاهيم متأصلة، فكم نتمنى اليوم من الهيأة التي نعتبرها استمرارية للماضي و ليست شرخا له،  أن تفتي في التصريح الأخير للسيد الرئيس المدير العام ل "أونا"،حيث يؤكد التطور المهم للمجموعة، و الأرباح التي دخلت من قطاعات الهتاتف و السكر و المجال العقاري". كم هو مهم أن تصدر فتاوى رسمية في هذا الشأن تبين و تدعو أصحاب الخروقات و استغلال الفرص لحظة معاناة الشعب لمصالح مادية صرفة".

نعود لمقال السيد بنونه الذي اقتطفنا منه تلك الجملة و قد كان عنونه "من هنا نبدأ". لقد كان تشخيصه للواقع تلك اللحظة لا يختلف كثيرا عما يعانيه الشعب اليوم، غير أننا و بعد مرور خمسين عاما سنستسمحه في مقترحه الذي أشار فيه إلى أن " يبدأ بناء المستقبل السعيد بالدعوة و التبشير " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر"، ونقول إنه بعد كل هذه المدة سنختار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لكن بطريقة بعض الشيء مختلفة حتى لا ينقلب علينا أصحاب المصالح الذين استغلوا لحظة تاريخية معينة للانقلاب على الحركة الوطنية و تشويه صورتها حين غيبوا مكمن الخلل الحقيقي، و ظنوه هو بناء مشروع جديد ينطلق من مفاهيم آتية من الغرب، و يبدو أن هذه اللحظة الراهنة تستدعي من العلماء الذين يغيبون من الفعل الرسمي و يبعدون لأسباب أصولية أو حركية، أن يعيدوا حضورهم على المستوى القانوني و التشريعي، و تصبح المرجعية ليست التسارع كما يقال بل هي الشرعية المجتمعية و العودة لمن يحترمه الناس و يقدرونه من أهل العلم، و ليس من يحبون الجلوس في البيوت و الإفتاء كردات فعل و ليس كفعل.

نحتاج اليوم إلى خيار التكامل بين سلطة الشعب و العالم والأمير، إن العلماء بفهمهم و استقلاليتهم و خياراتهم المتمكنة في شتى المجالات المعرفية و العلمية، و الشعب بوعيه و ارتفاع منسوب أفكاره قادر على الاختيار في اختلافات العلماء فيما تعلق بالأمور العامة و المشكلة لخيار البلاد، و الأمير فيما تجلى فيه من تأكيد و شرعية تحمي الوحدة و التكامل و تختار بين اختلافات العلماء لتوجه و ترعى التطبيق و التنزيل العملي للخيارات الكبرى و تحمي الزلات الممكن ارتكابها عن طريق ترشيد نطاقات الحكم و المسؤولية التسييرية، و هذا لا يعني غياب الشعب و العلماء هم أيضا في التوجيه و لكن حتى يحدث تمايز في الاختيارات و التخصصات، و كم هو مهم أن نستحضر مثل هذه اللحظات التاريخية و خصوصا تلك التي عاشها المغرب بانسيابية غريبة بعد طول قمع و صمت بإتباع المذهب الظاهري- إلا من استثناء كان في مدينة سبته التي رفض علماؤها المضي في اتجاه الدولة فظلت رافضة لفكر الظاهرية و نعرف ما كان لعلمائها في تلك الفترة من دور مهم و جلي-. لقد  قام العلماء مباشرة بعد تشكيل الدولة المرينية بحث الناس و توجيههم إلى المذهب المالكي و التشبث باللغة العربية، و نبذ كل ما هو لحن و تمييع أي ارتباط بأفكار مبتدعة.إن تلك الحقبة المرينية تستحق منا الوقوف لفهم، أن لا وجود للفكر الحر دون الفئة المثقفة التي تدافع عنه و توصله و تحييه في قلوب الناس، و كذلك لا وجود للفكر الحر دون تلك الفئة المسئولة التي تنزله واقعا و تدافع عنه بمنطق الرعاية و المسؤولية. و كما جاء في مجلة البحث العلمي العدد الثاني ص 213، "ورد في كتاب ذكر مشاهير أعيان فاس في القديم عند بيت بني عشرين رقم 11. "فقد كان رجوع الظاهرية إلى المذهب المالكي برغبة أتت من جهة الفقهاء"  و قد كانت الدولة المرينية في هذه الفترة تجاري و تنفذ ما اتفق عليه العلماء.   

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر